أبي حيان الأندلسي

131

البحر المحيط في التفسير

أهل الكتابين ، ولكن عليهم العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشريعة على ما بينها اللّه تعالى . وقرأ حمزة ، وحفص لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء ، وقرأ باقي السبعة برفع الراء . وقال الأعمش في مصحف عبد اللّه : لا تحسبن البرّ ، وفي مصحف أبيّ ، وعبد اللّه أيضا : ليس البر بأن تولوا ، فمن قرأ بنصب البر جعله خبر ليس ، وأن تولوا في موضع الاسم ، والوجه أن يلي المرفوع لأنها بمنزلة الفعل المتعدّي ، وهذه القراءة من وجه أولى ، وهو أن جعل فيها اسم ليس : أن تولوا ، وجعل الخبر البر ، وأن وصلتها أقوى في التعريف من المعرّف بالألف واللام ، وقراءة الجمهور أولى من وجه ، وهو : أن توسط خبر ليس بينها وبين اسمها قليل ، وقد ذهب إلى المنع من ذلك ابن درستويه تشبيها لها : بما . . أراد الحكم عليها بأنها حرف ، كما لا يجوز توسيط خبر ما ، وهو محجوج بهذه القراءة المتواترة ، وبورود ذلك في كلام العرب . قال الشاعر : سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم * وليس سواء عالم وجهول وقال الآخر . أليس عظيما أن تلمّ ملمّة * وليس علينا في الخطوب معوّل وقرأه : بأن تولوا ، على زيادة الباء في الخبر كما زادوها في اسمها إذا كان ان وصلتها . قال الشاعر : أليس عجيبا بأن الفتى * يصاب ببعض الذي في يديه أدخل الباء على اسم ليس ، وإنما موضعها الخبر ، وحسّن ذلك في البيت ذكر العجيب مع التقرير الذي تفيده الهمزة ، وصار معنى الكلام : أعجب بأن الفتى ، ولو قلت : أليس قائما بزيد لم يجز . والبرّ اسم جامع للخير ، وتقدم الكلام فيه ، وانتصاب قبل على الظرف وناصبه تولوا ، والمعنى : أنهم لما أكثروا الخوض في أمر القبلة حتى وقع التحويل إلى الكعبة . وزعم كل من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته ، فردّ اللّه عليهم ، وقيل : ليس البر فيما أنتم عليه ، فإنه منسوخ خارج من البر .